العنوسة …الأسباب والحلول
بقلم/الكاتب والباحث /احمد محمود القاسم
تعرف ظاهرة العنوسة بأنها عدم حصول الفتاة بشكل خاص على زوج مناسب طيلة حياتها لأسباب، متعددة منها ما يتعلق بالفتاة نفسها ومنها ما يتعلق بالأهل أو الشاب الذي يرغب بالزواج. تعتبر ظاهرة العنوسة بين الشابات الفلسطينيات ظاهرة سلبية جدا، لم تبحث أو تدرس، من قبل أي جهة فلسطينية، لتحليلها والمساعدة على حلها، سواء رسمية أو غير رسمية، كالمنظمات الغير حكومية مثلا، رغم أن هناك الكثير من الجهات الغير الرسمية، مثل المنظمات الأهلية والجمعيات المختلفة، ساعدت في حل الكثير من المشاكل الصحية والاجتماعية والزراعية، ولكن لم يتطرق احد لحد الآن لمناقشة ارتفاع ظاهرة العنوسة بين أبناء وبنات الشعب الفلسطيني بشكل عام والبنات بشكل خاص ووضع الحلول لها، مع العلم انه لا يوجد هناك إحصاءات دقيقة، عن الظاهرة وأسبابها بشكل عام، والشابات بشكل خاص، ومن منهن في سن الزواج، ولم يطرق بابهن احد بعد، أو من فاتهن قطار الزواج. الظاهرة جلية وواضحة كثيرا عند بحث أوضاع الأسر الفلسطينية في مختلف المحافظات، وظاهرة العنوسة غالبا ما يعاني منها الفتيات وليس الفتيان، لأن هذه الظاهرة بين الفتيان تكاد لا تظهر بشكل واضح. أسباب عزوف الشباب عن الزواج أو تأخرهم عنه: عزوف الكثير من الشباب الفلسطيني عن الزواج ، يعود في معظمه ، لأسباب اقتصادية بحتة ، تتعلق بعدم توفر الأموال اللازمة لتغطية مصاريف الزواج والمصاريف الزوجية وعدم حصول الكثير من الشباب على وظيفة مناسبة ، سواء في القطاع العام أو الخاص ، وإذا ما حصل الشاب على وظيفة ، فانه يتطلع إلى أن يكون الراتب مناسبا حتى يستطيع تأسيس وبناء نفسه ، ويصبح قادرا على الشروع والتفكير بالزواج . الرواتب التي يحصل عليها شباب اليوم من وظائفهم الرسمية، لا تكفيهم لكي يفكروا في مشاريع للزواج، خاصة في ظل ارتفاع حاد للأسعار في كافة السلع والخدمات في كل من محافظات الوطن. يعمل البعض من الشباب بالقطاع الخاص ، وقد يتقاضوا راتبا أفضل مما لو عملوا بالقطاع الرسمي ومع هذا فان مصروفات الزواج الكبيرة تستهلك معظم الدخل المتوفر. خلال لقاء صحفي اجري على مجموعة من متباينة من أبناء الشعب الفلسطيني عن ماهية الأسباب التي يعتقدون أنها السبب وراء ارتفاع نسبة العنوسة بين الشابات الفلسطينيات تباينت الأجوبة كثيرا فيما بينهم، فمن الشباب من عزا بعض أسباب العنوسة إلى انخفاض مستوى الفتيات العلمي، ومنهم من عزا الأمر إلى عدم عمل الشابة أو عدم قدرتها ورفضها العمل إلى جانب الزوج، ومنهم من قال أن الشروط التي يضعها الأهل عند تزويج بناتهم، من الأسباب التي تؤدي إلى عنوستهم، كطلبهم مهر غالي، إضافة إلى شروط أخرى صعبة تثقل كاهل الشاب الراغب بالزواج، مما يضطره إلى تأخير زواجه عدة سنوات. من الشباب من عزا عنوسة بعض الشابات لانغلاقهن على أنفسهن وعدم انخراطهن بالمجتمع، وعدم معرفة الناس بوجودهن، حتى إنهن لا يخالطن ضيوفهن، إذا ما زاروهن في منازلهن، وبعض الشابات لديهن بعض العقد النفسية من الرجال بشكل عام، لأن لديهن معلومات خاطئة عن الرجل الشرقي، وانه رجل مستبد ويحاول طمس شخصية المرأة، واستغلالها بشكل خاطئ ، وفرض القيود عليها ، والبعض عزا عنوسة الشابات لكونهن ينحدرون من اسر فقيرة نسبيا والشباب يفضلون الارتباط بفتيات ينحدرن من اسر غنية ، بغض النظر عن جمالهن النسبي ، وذلك لكي يساعدوهم على تحمل أعباء الحياة المادية . بعض الشابات عزوا أسباب بعض العنوسة لعدم رغبة الأهل بتزويج بناتهم من خارج نطاق الأهل أو القرية أو المحافظة ورفضهم تزويجهم أيضا من جنسيات عربية أخرى، وهناك من قال بان الشابة تقوم على خدمة والديها ولا يوجد بديل يقوم مكانها فيما إذا تزوجت لذلك فهي تضطر للبقاء إلى جانب والديها أو تجبر على ذلك لتقوم بخدمتهم. هناك من الفتيات من يعملن على إعالة والديهن لكون الوالد لا مصدر للدخل لديه يعتاش منه. بعض الشابات من تشترط أن تكون بيدها العصمة، وهذا شرط قل من يقبل به شباب اليوم لطبيعة تفكير الرجل الشرقي، ومن الشابات من يرفضن الامتثال لطلب الزوج كلبس الحجاب مثلا. بعض الشابات من يملكن ثروة مالية، ويعتقدن أن الشاب الذي يرغب بالزواج منهن، يرغبون بهن طمعا بنقودهن وليس لأي سبب آخر، فيعرضن عن الزواج لهذا الفهم والتفكير والذي قد يكون خاطئا. بعض الشابات الموظفات يشترطن أن يكون راتبهن لأهلهن أو لهن خاصة، ولا يقبلن بإعطائه لأزواجهن وبعض الشباب لا يقبلوا لهذا الشرط للاقتران بهن . أما من بعض أسباب عنوسة الشابات أيضا، أن البعض منهن منغلقات على أنفسهن، وغير مستعدات للعمل يدا بيد، إلى جانب شريك حياتهن، فهم يريدون " فارس الأحلام " أن يكون جاهزا للزواج ماديا ومعنويا، قبل أن يتقدم لهن، مما يضطر شباب اليوم إلى محاولة العمل المتواصل لعدة سنين أو أكثر بعد تخرجهم من الدراسة الجامعية، كي يتمكنوا من بناء "عش الزوجية “ حسب المقاييس المطلوبة. ما هو المطلوب عمله للتغلب على ظاهرة العنوسة: لماذا لا يصرحن الشابات باستعدادهن لمشاركة الشباب همومهم.؟ لمساعدتهم في تحمل أعباء الحياة وبناء " عش الزوجية “، إضافة إلى أهمية الاختصار من شروطهن وطلباتهن المتعلقة بإتمام مراحل الزواج من شريك المستقبل، حتى من حيث شراء الأغراض الأساسية للحياة كالثلاجة والسجادة وغيرها، والعمل على توفيرها معا من خلال المشاركة والتعاون الفعال. لا شك أن الآباء والأمهات كافة يتحملون جزءا من أسباب ظاهرة العنوسة التي تحدث لبناتهم، فعليهم التساهل كثيرا في الشروط والطلبات من الشباب الراغبين بالزواج، حتى لا يثقلوا عليهم حياتهم ويستنزفوا كل إمكانياتهم المادية والمعنوية مما يضطروهم للامتناع عن الزواج. على الشابات أيضا مسؤولية الارتقاء بمستواهم العلمي والعملي والاجتماعي، كلما أمكنهم ذلك، والتسلح بالعلم والمعرفة والتفكير بعمق، بكيفية المساعدة في تأمين وبناء مستقبلهم على أساس العمل المشترك مع شريك حياتهن المتوقع، بروح من الود والتفاهم والتضحية المتبادلة، كي ينجحوا في بناء أسرة متينة وسعيدة، وعلى قواعد صلبة. خلال زيارتي لمريض في إحدى المستشفيات، صادفت شابة بالقرب من احد المرضى من أقاربها، وخلال حديث عابر معها ناديتها بلقب يا " سيدة " فاجأتني بقولها، عفوا أنا لست سيدة، فأنا ما زلت شابة غير متزوجة، مظهرها أوحي لي ، بان عمرها قد تجاوز الخامسة والثلاثين عاما ، جمالها اقل من المتوسط ، طلبت مني بكل صراحة وود خلال دقائق ، من حديثي معها ، فيما إذا يوجد بطرفي عريس مناسب لها ، عز علي طلبها ، وتعجبت من جرأتها وصراحتها ، لم أحاول أن اجرح شعورها ، طلبت منها أن تعطيني اسمها وعنوانها ، ووعدتها بالمساعدة ، علما بأنني لن أستطيع أن افعل لها شيئا ، ولكني قلت " لعل وعسى " . لقد عز علي كثيرا حالة هذه الشابة، وقلت في نفسي من هو المسئول ؟ وكيف نضع حلولا منطقية وعملية للعشرات من بناتنا الفلسطينيات المتعففات، قبل أن يفوتهن قطار الزواج، ولمن فاتهن كذلك. قد تضطر الكثير من الفتيات، إما الانكفاء على أنفسهن، والتقوقع على ذاتهن و تحمل الوحدة والحرمان من قسوة وبرودة حياة العزوبية، أو يضطررن بعضهن للزواج من أي شخص يتقدم لهن، بغض النظر إن كان مناسبا لهن أم لا، بعد أن تمنعن كثيرا بالزواج من أشخاص وضعهم أفضل كثيرا مما هو معروض عليهن، بوقت لاحق، ولم يقبلن بالزواج منهم. بعض من الحلول المقترحة لتقليل نسبة العنوسة: انطلاق فتياتنا للانخراط والعمل في المشاريع الإنتاجية، وبالشركات والمصانع، وهذا من شأنه أن يساعد كثيرا، في حدوث زيادة، في عدد الزيجات ، وارتفاع في معدلات الزواج ، ولكن هذا يتطلبه أيضا ، إقامة الكثير من المشاريع الإضافية ،الاقتصادية والتجارية والخدماتية وغيرها ، وتوظيف الشابات بها جنبا إلى جنب إلى جانب الشباب . بعض الدراسات في بعض الدول، أثبتت إن توفر حدائق ومتنزهات عامة وخاصة في كل مكان، تساعد كثيرا في التقليل من ظاهرة العنوسة، وعمليات الطلاق بين الأزواج. البعض يقترح إنشاء بنك للزواج على شاكلة بنك المعلومات، وبنك الدم، بحيث يوضع في هذا البنك، كافة المعلومات عن الشباب والشابات الراغبين بالزواج، وأعمارهم، وطبيعة الأعمال التي يقومون بها، وعناوين خاصة للاتصال بهم، ورقم الهاتف، إلى آخره من المعلومات الضرورية وغيرها من المعلومات التي يرونها مناسبة. يمكن للبنك القيام بعمليات مواءمة بين مواصفات كل من الشباب والشابات من خلال ما لديه من المعلومات المتجمعة، بهدف تسهيل التفاهم فيما بينهم، والاتصال بهم من اجل إتمام عملية زواجهم، حسب الطرق المتبعة، ويمكن أن يتم تزويجهم بشكل جماعي كما يحدث الآن في الكثير من الدول العربية والأجنبية، ويمكن للبنك أيضا أن ينشأ صندوقا للإقراض من اجل إعطاء الشباب قروضا بشروط ميسرة من اجل إتمام تغطية مصاريف الزواج. على المنظمات النسائية والجمعيات الاجتماعية، دراسة ظاهرة العنوسة من قبل الأخصائيين الاجتماعيين باستفاضة وعمق وجدية، ومحاولة وضع حلول منطقية ومعقولة لها. كذلك تشجيع الاختلاط الحر بين الشباب والشابات في المناسبات المختلفة وفي الأماكن العامة و مواقع العمل وبين الأقرباء وتشجيعهم على التعاون المشترك فيما بينهم من اجل بناء مستقبلهم.