أم أيمن حاضنة الرسول الجارية التي ربت الرسول وبشرّها بالجنة
لم تكن من سيدات قريش ، ولا من بيت عريق في مكة ، وإنما كانت جارية سوداء وقعت في السبى حين أصيب أبرهة وجنوده بهزيمة مخيفة إثر الغارة الجوية التي كان أبطالها طيرًا أبابيل ، نشرت الموت والرعب والفزع بين أبرهة وجنوده حتى صاروا أشلاء ممزقة في بطحاء مكة . ضم عبد المطلب هذه الجارية ، واسمها بركة بنت محصن ، إلى خدمه وجواريه ، فعاشت في بيته آمنة مطمئنة ، تأكل مما يأكل منه أهل عبد المطلب ، وتؤدي ما نيط بها من أعمال في أمانة واخلاص .
وقد ورثها عبد الله بن عبد المطلب بعد وفاة والده ، فعاشت في بيت آمنة بنت وهب تجد الرعاية كل الرعاية من هذه السيدة التي أنجبت سيد البشر جميعًا ، ودار اسمها مع دوران الزمن ، يعرفه كل مسلم ومسلمة .
وقد زوّجد بركة مرتين : الأولى من عبيد بن عمرو وأنجب منها ايمن الذي كُنيت به ، ثم توفي عنها، والثانية من زيد بن حارثة ، مولى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأنجبت منه أُسامة أصغر قائد عسكري في الإسلام ، حيث تولى قيادة الجيش الذاهب إلى حدود الشام ، وهو في الثامنة عشرة من عمره .
شهدت أم أيمن حفل زواج عبد الله بن عبد المطلب من ىمنة بن وهب كما شهدت مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ورأت وسمعت ما حدث في تلك الليلة من آيات تحدث عنها أهل الكتاب الذين قرأوا أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة ، وامتلأ قلب بركة بحب هذا الطفل الوضيء ، وكانت بمثابة حاضنة له حتى سعدت حليمة السعدية بارضاعه . ولما أعادت حليمة هذا الرضيع المبارك بعد ان شهدت هي الأخرى من يمنه وبركاته ما شهدت ، تولت بركة أمر خدمته ، فكانت هذه الخدمة منحة لها من السماء .
وذات يوم ورسول الله في السادسة من عمره قررت السيدة آمنة بنت وهب أن تسافر إلى المدينة لتمكث هناك بعض الوقت ، لكي يتعرف ابنها على أخواله ، ولكي تزور هي قبر زوجها الذي مات وهي في ثياب العرس .. واصطحبت السيدة آمنة جاريتها بركة ، ومكثت هناك ما شاء الله أن تمكثا ، ثم أخذتا طريقهما عائدتين إلى مكة .
كان الموت يترصد لأم النبي ، السيدة الشابة التي كان قلبها يشتعل لوعة وأسى على زوجها الراحل . وعندما وصلت إلى قرية الأبواء ، وكان الجو لافحًا شديد القيظ ، أصيبت السيدة آمنة بالحمى ، ما لبثت فارقت الحياة ، وأصيبت جاريتها بركة بحزن شديد وألم ممض ، ولكنها تماسكت وذهبت إلىأهل القرية ، فأعانوها على تكفين سيدتها آمنة ودفنها .
عادت الجارية بركة بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت طوال الطريق تكفكف من دمعه ، وتتجلد أمامه ، وتكتم ما تعاني من شجون وأحزان .
ولما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ الرجال ، وتزوج السيدة خديجة بن خويلد ، عرض النبي على مولاه زيد بن حارثة أن يتزوج بركة ، فوافق على الفور ، وكانت زيجة مباركة حيث أنجب زيد من بركة طفلاً سماه أسامة ، وقد تولى النبي صلى الله عليه وسلم تربيته ، وكان يطلق عليه " الحب ابن الحب " أي الحبيب ابن الحبيب .
أما لماذا أسرع زيد بن حارثة بالزواج من بركة بعد أن عرض عليه الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الأمر ، فلأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : من سره أن يتزوج امرأة من أهل الجنة فليتزوج أم أيمن .. فالرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأنها من أهل الجنة ، ومن كانت لها هذه المنزلة العظيمة عند الله ، فإنها تجل اقبالاً شديدًا من الرجال على الاقتران بها .
وكانت أم أيمن تخرج مع الجيش لتسقى الظماء وتداوي الجرحى ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يثني عليها ويقول : [ أم أيمن أمي بعد أمي ] . وحين انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ، ، بكت أم أيمن حتى كادت تبيض عيناها من الحزن ، فقيل لهخا : هوني عليك يا أم أيمن ، فقالت : كيف لا أبكي وقد انقطع عنا خبر السماء ، وكان يأتينا غضًا جديدًا كل يوم وليلة .
ولم تعش أم أيمن بعد الرسول صلىالله عليه وسلم إلا خمسة أشهر ، ثم وافاها الأجل المحتوم . رضي الله عن أم أيمن . فهي الآن ترتفع في رياض الجنة .